الشيخ محمد هادي معرفة
516
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
حديث في معنى واحد ، وكذا مبدأ اشتقاق الفعل والاسم في الأحاديث التي تدلّ على إباحته واستحبابه ، فحينئذٍ لا يخلو إمّا أن يكون الغناء المنهيّ عنه مستعملًا في الصوت المرجّع المطرب بمعنى الفرح ، والغناء المرغوب فيه في المطرب بمعنى المحزن ، كما سيظهر من سياق وصف المنهيّ عنه باللهو والباطل والمرغوب فيه بالحزن وكونه مذكِّرا للجنّة ، فلا تناقض ولا تعارض بين الطرفين على هذا التقدير إذ يفيد أحدهما أنّ هذا النوع من الغناء حرام والآخر يفيد أنّ ذلك النوع منه مباح ومرغوب فيه ، فبم يتمسّك هؤلاء إلى تحريم مطلقه ؟ ! وإن قالوا : إنّ الغناء بأحد معنييه فقط مستعمل في كلا الطرفين - نعني الغناء بمعنى الصوت المرجّع المفرح مثلًا مستعمل في كلا الطرفين أو بمعنى الحزن مستعمل فيهما - فمع بطلان هذه الدعوى وامتناع إثباته نقول : كلا الطرفين مشتملان على صحاح الأخبار ، وتعادل الأمارات يوجب التساقط كما عرفت في المسألة الأخرى الأصولية ، والتمسّك بالبراءة يقرّر الغناء على الإباحة الأصلية ، فعليكم أن تحكموا بإباحته مطلقا ، فلم حكمتم بتحريمه كذلك ؟ ! وأمّا أن يقولوا : لا ندري في أيّ معنى من معنييه استعمل فيها ، فنقول حينئذٍ : يجب الجمع والتوفيق بين الطرفين لإطراح أحدهما والتمسّك بالآخر كما عرفت ، فبِمَ تمسّكتم في طرح الأحاديث الدالّة على الجواز والاستحباب وصحّحتم الطرف الآخر الدالّ على الحرمة وحكمتم بتحريمه مطلقا ؟ ! وإن قالوا : نتمسّك بمقتضى الاحتياط ، نقول : الاحتياط يقتضي أن تكفّوا الناس عن ألسنتكم عند قراءة القرآن والكلمات الحقّة من الأذان وغيره من الأصوات الحسنة المذكّرة للجنّة ولا تنهوهم عنها لئلّا تكونوا في زمرة الناهين عن المعروف الآمرين بالمنكر حتّى يتبيّن لكم الحقّ ، فإنّ الاحتياط إنّما يكون في حقّ من لا يكون على يقين في أمر يحتاط فيه ، وأمّا إذا كان على يقين في حقّه فلا معنى للاحتياط فيه ، فلعلّ هذا الذي تنهون عنه يكون معروفا بحسب الواقع ، فتكونون ناهين عن المعروف وأنتم